تخرجت.. نعم تخرجت.. ولكن ماذا حدث؟

د. وجيه الاحمدي :
لا تسألوني عن التخرج.. التخرج في اليمن ليس فرحاً، هو جنازة مؤجلة.
أنا دخلت كلية الطب وأنا أحلم، وخرجت منها وأنا جثة تمشي.
اربع سنوات وأنا لا أنام إلا ساعتين، أذاكر على ضوء شمعة لأن الكهرباء مقطوعة، أذهب للجامعة مشي على الأقدام لأنني لا أملك حق الباص، أبيع ملابسي لأشتري كتاب _Surgery_وملازم اخرى.
كنت أقول لنفسي: اصبر، غداً ستصبح طبيباً، غداً ستنتهي كل هذه المعاناة.
وكنت غبياً.. لم أكن أعلم أن المعاناة الحقيقية ستبدأ بعد التخرج.
تخرجت.. نعم تخرجت.. وما الذي حدث؟
علقتُ شهادتي على جدار غرفتي المكسور، ونظرت إليها طويلاً وبكيت كطفل.. ليس فرحاً، بل قهراً.. لأنني عرفت أن هذه الورقة لا تساوي قيمة الحبر الذي كتبت به في هذا البلد.
أمي التي باعت ذهبها لتدريسي، أصبحت الآن تنظر إلي وتقول: “طيب يا ابني متى ستشتغل؟” ولا أستطيع أن أجيب، أهرب إلى الحمام وأبكي.
أصدقائي الذين لم يدرسوا، الذين فتحوا بسطات والذين اشتغلوا مع المنظمات بشهائد الثانوية، أصبحوا يصرفون على بيوتهم، وأنا الطبيب.. أنا الدكتور.. أمد يدي لأبي ليعطيني 500 ريال حق كرت نت.. أقسم بالله أنني أتمنى أن تنشق الأرض وتبلعني في تلك اللحظة.
أصبحت أخجل أن أقول للناس أنني طبيب، أخجل أن ألبس البالطو، لأن الناس ستسألني: أين تشتغل؟ وسأكذب وأقول: في مستشفى خاص.. وأنا في الحقيقة عاطل نائم في البيت.
_يا الله.. هل هذا هو جزاء من سهر وتعب؟_
هل تعلمون ماذا يعني أن تكون طبيباً في اليمن بلا عمل؟
يعني أن تموت كل يوم وأنت ترى مريضاً يموت أمامك ولا تستطيع أن تفعل له شيئاً لأنك لا تملك مستشفى.
يعني أن تموت كل يوم وأنت ترى أمك مريضة ولا تملك ثمن الدواء لها وأنت طبيب.
يعني أن تموت كل يوم وأنت ترى زملاءك يسافرون إلى السعودية وقطر ويتوظفون، وأنت جالس تحرس شهادتك من الفئران في البيت.
*والقهر الأكبر.. حتى إذا وجدت وظيفة!*
وقالوا لي تعال اتوظف بتعاقد..أسألهم كم الراتب؟ يقولوا: *40 ألف ريال في الشهر.*
40 ألف! والله 40 ألف لا تكفي قوت 4 أيام!
كيس الدقيق بـ 38 ألف، وكيس السكر بـ 70 ألف، فكيف أعيش شهر كامل بـ 40 ألف؟ هل هذا راتب طبيب درس 4 سنوات؟ هذا راتب إذلال، هذا ثمن موت بطيء.
يعطون الفاسد ملايين، ويعطون الطبيب 40 ألف.. كأنهم يقولون له مُت جوعاً وأنت لابس البالطو الأبيض.
نحن في اليمن لا ندفن الخريجين في القبور، نحن ندفنهم في بيوتهم أحياء.
أنا لا أريد وظيفة.. أنا أريد أن أشعر أنني إنسان.. أن اربع سنوات من عمري لم تذهب في القمامة.
إلى كل خريج يقرأ كلامي الآن وهو يبكي في غرفته مثلي.. أنت لست فاشلاً، أنت ضحية وطن ميت.





